السيد كمال الحيدري
101
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
قلتُ : الذي نتسلّمُه أنّ الفاعلَ المختارَ من الحيوانِ لا يفعلُ ما يفعلُ إلّا عن علمٍ بمصلحةِ الفعلِ وإرادةٍ بمعنى الكيفِ النفساني . وأنّ الواجبَ تعالى لا يفعلُ ما يفعلُ إلّا عن علمٍ بمصلحةِ الفعل . وأمّا أنّ هذا العلمَ الذي هناك وجودُه وجودُ الإرادةِ والمشيئةِ ، وإن لم يكنْ ماهيّتُه هي الكيفَ النفسانيَّ فغيرُ مسلّمٍ . نعم ، لنا أن ننتزعَ الإرادةَ من مقامِ الفعلِ كسائرِ الصفاتِ الفعليّةِ كما تقدّمَت الإشارةُ إليه في البحثِ عن صفاتِ الفعلِ وسيجيءُ . وبالجملةِ : لا دليلَ على صدقِ مفهومِ الإرادةِ على علمِ الواجبِ تعالى بالنظام الأصلحِ ، فإنّ المرادَ بمفهومِها : إمّا هو الذي عندَنا فهو كيفيّةٌ نفسانيّةٌ مغايرةٌ للعلم ، وإمّا مفهومٌ آخرُ يقبلُ الصدقَ على العلمِ بأنّ الفعلَ خيرٌ ، فلا نعرفُ للإرادةِ مفهوماً كذلك . ولذا قدّمْنا أنّ القولَ بأنّ علمَ الواجبِ تعالى بالنظامِ الأحسنِ إرادةً منه ، أشبهُ بالتسمية . ولا ينبغي أن يُقاسَ الإرادةُ بالعلمِ الذي يقالُ : إنّه كيفيّةٌ نفسانيّةٌ ، ثمّ يُجرّدَ عن الماهيّةِ ويجعلَ حيثيّةً وجوديّةً عامّةً موجودةً للواجبِ تعالى وصفاً ذاتيّاً هو عينُ الذات ، وذلك لأنّا لو سلّمنا أنّ بعضَ مصاديقِ العلم وهو العلمُ الحصوليُّ كيفٌ نفسانيٌّ ، فبعضٌ آخرُ من مصاديقِه وهو العلمُ الحضوريُّ جوهرٌ أو غيرُ ذلك ، وقد تحقّقَ أنّ المفهومَ الصادِقَ على أكثرِ مِن مقولةٍ واحدةٍ ، وصفٌ وجوديٌّ غيرُ مندرجٍ تحتَ مقولةٍ ، منتزعٌ عن الوجودِ بما هو وجودٌ ، فللعلمِ معنىً جامعٌ يهدي إليه التحليلُ ، وهو حضورُ شيءٍ لشيء .